محمد بن جرير الطبري
316
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم أن لا تسفكوا دماءكم ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ يعني به يقتل بعضكم بعضا ، وأنتم مع قتلكم من تقتلون منكم إذا وجدتم الأَسير منكم في أيدي غيركم من أعدائكم تفدونه ويخرج بعضكم بعضا من دياره . وقتلكم إياهم وإخراجكم لهم من ديارهم حرام عليكم وتركهم أسرى في أيدي عدوكم ، فكيف تستجيزون قتلهم ولا تستجيزون ترك فدائهم من عدوهم ؟ أم كيف لا تستجيزون ترك فدائهم وتستجيزون قتلهم ؟ وهم جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم سواء ؛ لأَن الذي حرمت عليكم من قتلهم وإخراجهم من دورهم نظير الذي حرمت عليكم من تركهم أسرى في أيدي عدوهم أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ الذي فرضت عليكم فيه فرائضي وبينت لكم فيه حدودي وأخذت عليه بالعمل بما فيه ميثاقي فتصدقون به ، فتفادون أسراكم من أيدي عدوكم ؛ وتكفرون ببعضه فتجحدونه فتقتلون من حرمت عليكم قتله من أهل دينكم ومن قومكم ، وتخرجونهم من ديارهم ؟ وقد علمتم أن الكفر منكم ببعضه نقض منكم عهدي وميثاقي . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فادين والله إن فداءهم لإِيمان وإن إخراجهم لكفر ، فكانوا يخرجونهم من ديارهم ، وإذا رأوهم أسارى في أيدي عدوهم افتكوهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عن عكرمة ، عن ابن عباس : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ قد علمتم أن ذلكم عليكم في دينكم ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ في كتابكم إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ أتفادونهم مؤمنين بذلك ، وتخرجونهم كفرا بذلك ؟ حدثني محمد بن عمرو ، قال ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ يقول : إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك ؟ حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، قال : قال أبو جعفر : كان قتادة يقول في قوله : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فكان إخراجهم كفرا وفداؤهم إيمانا . حدثنا المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ الآية ، قال : كان في بني إسرائيل إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم ، وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ، وأخذ عليهم الميثاق إن أسر بعضهم أن يفادوهم . فأخرجوهم من ديارهم ثم فادوهم . فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض ؛ آمنوا بالفداء ففدوا ، وكفروا بالإِخراج من الديار فأخرجوا . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، قال : ثنا الربيع بن أنس ، قال : أخبرني أبو العالية : أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب